محمد عبد الله دراز

300

دستور الأخلاق في القرآن

هي أمر قطعي ، وفي رأيهم : أنّ الإرادة ، والحرية مترادفان « 1 » . وعلى أية حال ، فإنّ هاتين الفكرتين تغطيان على وجه التّحديد نفس المجال . ولا يتعلق الأمر ، بطبيعة الحال ، أن ننسب إلى الإنسان القدرة الكلية على تنفيذ قراراته بحرية ، برغم جميع العقبات المادية ، وضد قوانين الطّبيعة الصّارمة . إذ يجب أن نكون قد فقدنا كلّ تفكير متزن حين نؤكد أننا نستطيع دائما أن نفعل ما نريد . وذلك بالرغم من حقيقة ما يقال - في الظّروف العادية للحياة العملية ، ومع تنحية الأعمال الّتي تحظرها قوة قاهرة - : إنّ ( الإرادة هي القدرة ) ، بيد أنّ المعنى الحقيقي للفظ ، وهو الّذي يريد المدافعون عن الاختيار الحرّ أن يثبتوه شرطا متحققا للمسئولية - ليس هو « حرية التّنفيذ » ( الّتي يدركون نسبيتها وارتباطها بألف ظرف خارجي ) ، بقدر ما هو « حرية التّقرير » ، الّتي يعلنون أنّها لا تنفصم عن كلّ ضمير إنساني . ولا أحد يضارع مطلقا « ديكارت » ، الّذي مدّ حدود نشاطنا الحرّ إلى أبعد مدى ، لا في مجال العمل فحسب ، بل في مجال المعرفة أيضا . فإرادتنا هي الّتي تحكم ، أو تمتنع ، هي الّتي تثبت ، أو تنكر . وتتجلى هذه الحرية أوّلا في الشّك المنهجي ، أي في القدرة الّتي نملكها على الرّفض الإرادي لجميع أحكامنا المسبقة ، وجميع معارفنا السّابقة ، النّاتجة من حواسنا ، أو من استخلاص قياسنا ، سواء أكان هذا الشّك لكي نصدر على إثره - حكما بصدقها ، أو كذبها النّهائي ، أم لكي نعلق حكمنا عليها تعليقا محضا مجردا « 2 » . لكن هذا النّشاط يبدو بشكل موضوعي في أحكامنا العادية ، وهذه الأحكام لا يفرضها إدراكنا ، بل

--> ( 1 ) قال ديكارت في ( الإجابات على الاعتراضات الثّالثة ) : « إنّ الإرادة ، والحرية ليستا سوى شيء واحد » . ( 2 ) انظر ، 1 - Descartes . Premie ? re meditation